فخر الدين الرازي

234

تفسير الرازي

بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) * . اعلم أنه تعالى ذكر في الآية الأولى خمسة أنواع من التكاليف ، وهي أمور ظاهرة جلية لا حاجة فيها إلى الفكر والاجتهاد ، ثم ذكر تعالى في هذه الآية أربعة أنواع من التكاليف ، وهي أمور خفية يحتاج المرء العاقل في معرفته بمقدارها إلى التفكر ، والتأمل والاجتهاد . فالنوع الأولى : من التكاليف المذكورة في هذه الآية قوله : * ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ) * . واعلم أنه تعالى قال في سورة البقرة : * ( ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير ) * ( البقرة : 220 ) والمعنى : ولا تقربوا مال اليتيم إلا بأن يسعى في تنميته وتحصيل الربح به ورعاية وجوه الغبطة له ، ثم إن كان القيم فقيراً محتاجاً أخذ بالمعروف ، وإن كان غنياً فاحترز عنه كان أولى فقوله : * ( إلا بالتي هي أحسن ) * معناه كمعنى قوله : * ( ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ) * ( النساء : 6 ) . وأما قوله : * ( حتى يبلغ أشده ) * فالمعنى احفظوا ماله حتى يبلغ أشده ، فإذا بلغ أشده فادفعوا إليه ماله . وأما معنى الأشد وتفسيره : قال الليث : الأشد . مبلغ الرجل الحكمة والمعرفة . قال الفراء : الأشد . وأحدها شد في القياس ، ولم أسمع لها بواحد . وقال أبو الهيثم : واحدة الأشد شدة كما أن واحدة الأنعم نعمة ، والشدة : القوة والجلادة ، والشديد الرجل القوي ، وفسروا بلوغ الأشد في هذه الآية بالاحتلام بشرط أن يؤنس منه الرشد ، وقد استقصينا في هذا الفصل في أول سورة النساء . والنوع الثاني : قوله تعالى : * ( وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ) * . اعلم أن كل شيء بلغ تمام الكمال ، فقد وفى وتم . يقال : درهم واف ، وكيل واف ، وأوفيته حقه ، ووفيته إذا أتممته ، وأوفى الكيل إذا أتمه ولم ينقص منه شيئاً وقوله : * ( والميزان ) * أي الوزن بالميزان وقوله : * ( بالقسط ) * أي بالعدل لا بخس ولا نقصان . فإن قيل : إيفاء الكيل والميزان ، هو عين القسط ، فما الفائدة في هذا التكرير ؟ قلنا : أمر الله المعطي بإيفاء ذي الحق حقه من غير نقصان ، وأمر صاحب الحق بأخذ حقه من غير طلب الزيادة .